منتديات علماء الآثار الجزائريين

آثـــارنـــا . . . هويتنـــا
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
بسم الله الرحمن الرحيم : الاخوة الأكارم أعضاء منتديات علماء الآثار الجزائريين نرحب بكم أجمل ترحيب ونتمنى أن تجدو الفائدة بيننا ، كما نطلب من الجميع اختيار القسم المناسب للمواضيع لنحافظ جميعا على ترتيب منتدانا الغالي ... شكـــرا
علماء الآثار الجزائريين
أنت الزائر رقم
عاصمة الثقافة الإسلامية

اليـــــوم
الساعة الأن
مواقــيت الصــلاة
المصحف الإلكتروني

حـــالة الطقس اليـــوم
المواضيع الأخيرة
المتـواجديــن
سجل
أنت غير مسجل فى منتديات علماء الآثار الجزائريين . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
سجل الزوار
سجل الزوار


شاطر | 
 

 قصة موسى عليه السلام الجزء الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الهيثم
 
 
avatar


سجل : 01/09/2011
الجنس : ذكر
البلد : الجزائر
عدد المساهمات : 372

مُساهمةموضوع: قصة موسى عليه السلام الجزء الثاني   الأربعاء 22 أغسطس 2012 - 7:22

قََََََصَصُ الأنْبِيَاءِ

للإمام ابن الحافظ ابن كثير

قصة موسى عليه السلام
الجزء الثاني

وهذا الذي قاله من البهتان يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب
والهذيان، بل لا يروج مثله على الصبيان، فإن الناس كلهم من أهل دولته
وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوماً من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي
علمهم السحر؟ ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم حتى كان فرعون هو الذي
استدعاهم واجتباهم من كل فج عميق وواد سحيق ومن حواضر بلاد مصر والأطراف
ومن المدن والأرياف.
قال الله تعالى في سورة الأعراف: {ثُمَّ بَعَثْنَا
مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ، وَقَالَ
مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ
عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ
بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إسرائِيلَ، قَالَ إِنْ
كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ،
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ
فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ
فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ
أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ
فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ، وَجَاءَ
السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ
الْغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، قَالُوا
يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ
الْمُلْقِينَ، قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ
النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَيْنَا
إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ،
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ
وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا
آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَ فِرْعَوْنُ
آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ
مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ، لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ
لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا
مُنقَلِبُونَ، وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا
لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا
مُسْلِمِينَ}.
وقال تعالى في سورة يونس: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ
بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا
فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ
الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، قَالَ
مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا
يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي
الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ
ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ، فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ
لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ، فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ
مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ
اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ
بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.
وقال تعالى في سورة
الشعراء: {قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ
الْمَسْجُونِين، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ
بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ
ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ
لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيم،
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا
تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ
حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ، فَجُمِعَ السَّحَرَةُ
لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُوم، وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ
مُجْتَمِعُونَ، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ
الْغَالِبِينَ، فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ
لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ
وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا
مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ، فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا
بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ، فَأَلْقَى مُوسَى
عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ
سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى
وَهَارُونَ، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ
لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ
وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا
مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا
أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}.
والمقصود أن فرعون كذب وافترى
وكفر غاية الكفر في قوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ
السِّحْر} وأتى ببهتان يعلمه العالمون، بل العالمون في قوله: {إِنَّ هَذَا
لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وقوله: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
مِنْ خِلافٍ} يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه {ثُمَّ
لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} أي ليجعلنهم مثلة ونكالاً لئلا يقتدي بهم
أحد من رعيته وأهل ملته ولهذا قال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ
النَّخْلِ} أي على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا
أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى} يعني في الدنيا.
{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ
عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ} أي لن نطيعك ونترك ما وقر في
قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات {وَالَّذِي فَطَرَنَا} قيل معطوف.
وقيل قسم {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} أي فافعل ما قدرت عليه {إِنَّمَا
تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي إنما حكمك علينا في هذه الحياة
الدنيا فإذاً انقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له
واتبعنا رسله {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا
وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}
أي وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب {وَأَبْقَى}، أي وأدوم من
هذه الدار الفانية وفي الآية الأخرى {قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى
رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا
خَطَايَانَا} أي ما اجترمناه من المآثم والمحارم {أَنْ كُنَّا أَوَّلَ
الْمُؤْمِنِينَ} أي من القبط بموسى وهارون عليهما السلام.
وقالوا له
أيضاً: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا
جَاءَتْنَا} أي ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا وأتباعنا
آيات ربنا لما جاءتنا {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} أي ثبتنا على
ما أبتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد والسلطان الشديد بل الشيطان
المريد {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
وقالوا أيضاً يعظونه ويخوفونه بأس
ربه العظيم {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ
لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا} يقولون له فإياك أن تكون منهم فكان منهم
{وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ
الدَّرَجَاتُ الْعُلا} أي المنازل العالية {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى}
فاحرص أن تكون منهم فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع
وحكم العلي العظيم بأن فرعون - لعنه الله - من أهل الجحيم ليباشر العذاب
الأليم يصب من فوق رأسه الحميم. ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ وهو
المقبوح المنبوح والذميم اللئيم {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْكَرِيمُ}.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون لعنه الله صلبهم وعذبهم
رضي الله عنهم. قال عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار
سحرة فصاروا من آخره شهداء بررة!
ويؤيد هذا قولهم {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
‏ولما
وقع ما وقع من الأمر العظيم، وهو الغلب الذي غلبته القبط في ذلك الموقف
الهائل، وأسلم السَّحرة الذين استنصروا بهم، لم يزدهم ذلك إلا كفراً
وعناداً وبعداً عن الحق.
قال الله تعالى بعد قصص ما تقدم في سورة
الأعراف: {وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى
وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ
سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ
قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا
إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ
يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ
تَعْمَلُونَ}.
يخبر تعالى عن الملأ من قوم فرعون وهم الأمراء والكبراء
أنهم حرّضوا ملكهم فرعون على أذية نبي الله موسى عليه السلام ومقابلته بدل
التصديق بما جاء به بالكفر والرد والأذى.
قالوا: {أَتَذَرُ مُوسَى
وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} يعنون -
قبَّحهم اللهُ - أن دعوته إلى عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة
ما سواه فسادٌ بالنِّسبة إلى اعتقادِ القبط لعنهم الله. وقرأ بعضهم:
{وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} أي وعبادتك ويحتمل شيئين أحدهما ويذر دينك وتقويه
القراءة الأخرى. الثاني ويذر أن يعبدك فإنه كان يزعم أنه إله لعنه الله.
{قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ} أي لئلا يكثر مقاتلتهم {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} أي غالبون.
{وقَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ} أي إذا هموا هم بأذيتكم والفتك بكم فاستعينوا أنتم بربكم
واصبروا على بليتكم {إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي فكونوا أنتم المتقين لتكون
لكم العاقبة كما قال في الآية الأخرى {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ
كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ
مُسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا
تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ
مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وقولهم {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} أي قد كانت الأنبياء تقتل قبل
مجيئك وبعد مجيئك إلينا {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} وقال الله
تعالى في سورة حم المؤمن: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا
وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا
سَاحِرٌ كَذَّابٌ}.
وكان فرعون الملك وهامان الوزير، وكان قارون
إسرائيلياً من قوم موسى إلا أنه كان على دين فرعون وملئه، وكان ذا مال جزيل
جداً، كما ستأتي قصته فيما بعد إن شاء الله تعالى.
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ
بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا
مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي
ضَلالٍ} وهذا القتل للغلمان من بعد بعثة موسى إنما كان على وجه الاهانة
والاذلال والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلا يكون لهم شوكة يمتنعون بها،
ويصولون على القبط بسببها وكانت القبط منهم يحذرون فلم ينفعهم ذلك ولم يردّ
عنهم قدر الذي يقول للشيء كن فيكون.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي
أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ
دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}. ولهذا يقول الناس
على سبيل التهكم: صار فرعون مذكراً. وهذا منه، فإنَّ فرعون في زعمه يخاف
على الناس أن يضلَّهم موسى عليه السلام!
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ
بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
الْحِسَابِ}، أي عذت بالله ولجأت إليه واستجرت بجنابه من أن يسطو فرعون
وغيره عليَّ بسوء وقوله {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ}، أي جبار عنيد لا يرعوي
ولا ينتهي ولا يخاف عذاب الله وعقابه، لأنه لا يعتقد معاداً ولا جزاء.
ولهذا قال: {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}.‏
{وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ
رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ
رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ
مُسْرِفٌ كَذَّابٌ، يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي
الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ
فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ
الرَّشَادِ}.
وهذا الرجل هو ابن عم فرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه
خوفاً منهم على نفسه، وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيلياً وهو بعيد ومخالف
لسياق الكلام لفظاً ومعنى والله أعلم.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا، والذي جاء من أقصى المدينة، وامرأة فرعون. رواه ابن أبي حاتم.
قال الدارقطني: لا يعرف من اسمه شمعان - بالشين المعجمة - إلا مؤمن آل فرعون. حكاه السهيلي.
وفي تاريخ الطبراني: أن اسمه "خير" فالله أعلم.
والمقصود
أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه فلمّا همّ فرعون - لعنه الله - بقتل موسى
عليه السلام وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه خاف هذا المؤمنُ على موسى فتلطّف
في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب، فقال على وجه المشورة والرأي.
وقد
ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الجهاد
كلمة عدل عند سلطان جائر" وهذا من أعلى مراتب هذا المقام، فإن فرعون لا أشد
جوراً منه وهذا الكلام لا أعدل منه لأن فيه عصمة نبيّ ويحتمل أنه كاشفهم
بإظهار إيمانه، وصرَّح لهم بما كان يكتمه، والأول أظهر والله أعلم.
قال:
{أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ} أي من أجل أنه قال
ربي الله، فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالإكرام والاحترام والموادعة وترك
الانتقام.
يعني لأنه {قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}
أي بالخوارق التي دلت على صدقه فيما جاء به عمن أرسله، فهذا إن وادعتموه
كنتم في سلامة لأنه {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ولا يضركم
ذلك {وَإِنْ يَكُ صَادِقاً}
وقد تعرضتم له {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي
يَعِدُكُمْ} أي وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به فكيف بكم
إن حل جميعه عليكم؟
وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطّف والاحتراز والعقل التام.
وقوله:
{يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} يحذّرهم
أن يسلبوا هذا الملك العزيز فإنّه ما تعرضت الدول للدين الا سلبوا ملكهم
وذلوا بعد عزهم!.
وكذا وقع لآل فرعون، ما زالوا في شك وريب ومخالفة
ومعاندة لما جاءهم موسى به، حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك
والأملاك والدور والقصور والنعمة والحبور، ثم حولوا إلى البحر مهانين،
ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السّافلين.
ولهذا قال هذا
الرجل المؤمن المصدّق البار الراشد التابع للحق الناصح لقومه الكامل العقل:
{يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} أي
عالين على الناس حاكمين عليهم، {فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ
إِنْ جَاءَنَا} أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة والقوة
والشدة لما نفعنا ذلك ولا رد عنا بأس مالك الممالك.
{قَالَ فِرْعَوْنُ}
أي في جواب هذا كله {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى} أي ما أقول لكم إلا ما
عندي {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.
وكذب في كلِّ من
هذين القولين وهاتين المقدمتين، فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن
هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة، وإنما كان يظهر خلافه بغياً
وعدواناً وعتواً وكفراناً.
قال الله تعالى، إخباراً عن موسى: {لَقَدْ
عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا، فَأَرَادَ أَنْ
يَسْتَفِزَّهُمْ مِنْ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا،
وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إسرائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا
جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}.
وقال تعالى:
{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ،
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.
وأما قوله: {وَمَا
أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ} فقد كذب أيضاً فإنه لم يكن على رشاد
من الأمر بل كان على سفه وضلال وخبل وخبال، فكان أولا ممن يعبد الأصنام
والأمثال. ثم دعا قومه الجهلة الضُّلال إلى أن اتبعوه وطاعوه وصدقوه فما
زعم من الكفر المحال في دعواه أنه رب تعالى الله ذو الجلال. قال الله
تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي
مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا
تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا
يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ
جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا آسَفُونَا
انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ، فَجَعَلْنَاهُمْ
سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ}.
وقال تعالى: {فَأَرَاهُ الآيَةَ
الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ
فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ
الآخِرَةِ وَالأُولَى، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}.
وقال
تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ،
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ
فِرْعَوْنَ بِرَشِيد، يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ، وَأُتْبِعُوا
فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ
الْمَرْفُودُ}.
والمقصود بيان كذبه في قوله: {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى} وفي قوله: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَاد}.
{وَقَالَ
الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ
الأَحْزَاب، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ
مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ، وَيَا قَوْمِ
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِي، يَوْمَ تُوَلُّونَ
مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ
بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى
إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ، الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ
مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ
اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}.
يحذرهم ولي الله إن
كذبوا برسول الله موسى أن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم من النقمات
والمثلات، مما تواتر عندهم وعند غيرهم، ما حل بقوم نوح وعاد وثمود ومن
بعدهم إلى زمانهم، ذلك مما أقام به الحجج على أهل الأرض قاطبة في صدق ما
جاءت به الأنبياء لما انزل من النقمة بمكذبيهم من الأعداء، وما أنجى الله
من اتبعهم من الاولياء، وخوّفهم يوم القيامة وهو يوم التناد، أي حين ينادي
الناس بعضهم بعضاً، حين يولون مدبرين إن قدروا على ذلك ولا إلى ذلك سبيل
{يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلا لا وَزَرَ، إِلَى
رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ، فَبِأَيِّ آلاءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ
وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
وقرأ
بعضهم {يَوْمَ التَّنَادِي} بتشديد الدال أي يوم الفرار، ويحتمل أن يكون
يوم القيامة، ويحتمل أن يكون يوم يحل الله بهم البأس فيودون الفرار، ولات
حين مناص. {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ،
لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}.
ثم أخبرهم عن نبوة يوسف في بلاد مصر ما كان
منه من الاحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم، وهذا من سلالته وذريته، ويدعو
الناس إلى توحيد الله وعبادته، وأن لا يشركوا به أحداً من بريته، وأخبر عن
أهل الديار المصرية في ذلك الزمان، أي من سجيتهم التكذيب بالحق ومخالفة
الرّسل، ولهذا قال: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ
حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ
رَسُولا} أي وكذبتم في هذا ولهذا قال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ
مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ، الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي يريدون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده بلا حجة
ولا دليل عندهم من الله، فإنّ هذا أمر يمقته الله غاية المقت، أي يبغض من
تلبس به من الناس ومن اتصف به من الخلق {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى
كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} قرئ بالاضافة وبالنعت، وكلاهما متلازم
أي هكذا إذا خالفت القلوب الحق - ولا تخالفه الا بلا برهان - فإن الله يطبع
عليها أي يختم عليها بما فيها.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ
لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ
فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ
زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ
فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ}.
كذّّبَ فرعونُ موسى عليه السلام في
دعواه أن الله أرسله، وزعم فرعون لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم {مَا
عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى
الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى
وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} وقال هاهنا: {لَعَلِّي أَبْلُغُ
الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} أي طرقها ومسالكها {فَأَطَّلِعَ
إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ويحتمل هذا معنيين:
أحدهما: واني لأظنه كاذباً في قوله: إن للعالم رباً غيري، والثاني في دعواه
أن الله أرسله. والأولّ أشبه بظاهر حال فرعون، فانه كان ينكر ظاهر إثبات
الصّانع، والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال: {فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ
مُوسَى} أي فاسأله هل أرسله أم لا: {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} أي في
دعواه ذلك. وإنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى عليه السلام
وأن يحثهم على تكذيبه.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ
لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ} وقرئ: {وَصُدَّ عَنْ
السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ}.
قال ابن عباس
ومجاهد: يقول الا في خسار، أي باطل لا يحصل له شيء من مقصوده الذي رامه،
فانه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبداً - أعني السماء
الدنيا - فكيف بما بعدها من السماوات العلى؟ وما فوق ذلك من الارتفاع الذي
لا يعلمه إلا الله عز وجل. وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح وهو
القصر الذي بناه وزيره هامان له لم ير بناء أعلى منه وان كان مبنياً من
الآجر المشوي بالنار ولهذا قال: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى
الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا}.
وعند أهل الكتاب: أن بني إسرائيل كانوا
يسخرون في ضرب اللبن، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا
يساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه، بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه
وتبنه وماءه، ويطلب منهم كل يوم قسط معين إن لم يفعلوه وإلاّ ضربوا وأهينوا
غاية الاهانة وأذوا غاية الأذية. ولهذا قالوا لموسى: {أُوذِينَا مِنْ
قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى
رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ
فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}. فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط، وكذلك
وقع، وهذا من دلائل النبوة.
ولنرجع إلى نصيحة المؤمن وموعظته واحتجاجه.
قال
الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ
سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً
فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ
فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
يدعوهم رضي الله عنه إلى طريق الرشاد والحق،
وهي متابعة نبي الله موسى وتصديقه فيما جاء به من عند ربه، ثم زهدهم في
الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة، ورغّبهم في طلب الثواب عند الله
الذي لا يضيع عمل عامل لديه، القدير الذي ملكوت كل شيء بيديه الذي يعطي على
القليل كثيراً، ومن عدله لا يجازي على السيئة إلا مثلها. وأخبرهم أن
الآخرة هي دار القرار التي من وافاها - مؤمناً قد عمل الصالحات - فلهم
الدرجات العاليات والغرف الآمنات والخيرات الكثيرة الفائقات والأرزاق
الدائمة التي لا تبيد. والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد.
ثم شرع في
إبطال ما هم عليه وتخويفهم مما يصيرون إليه فقال: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي
أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي
لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا
أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لا جَرَمَ أَنَّمَا
تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي
الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ
أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فَوَقَاهُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}.
كان يدعوهم إلى عبادة رب السماوات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون، وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضالّ الملعون!
ولهذا
قال لهم على سبيل الانكار: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى
النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ
بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ
إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ}.
ثم بين لهم بطلان ما هم عليه من عبادة
ما سوى الله من الأنداد والأوثان وأنها لا تملك من نفع ولا إضرار فقال: {لا
جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي
الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ
الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} أي لا تملك تصرفا ولا حكما في هذه
الدار فكيف تملكه يوم القرار؟ وأما الله عز وجل فانه الخالق الرازق
للأبرار والفجار، وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم فيدخل طائعهم الجنة
وعاصيهم إلى النار.
ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله:
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.
قال الله: {فَوَقَاهُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} أي بإنكاره سلم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم
بالله ومكرهم في صدهم عن سبيل الله مما أظهروا للعامة من الخيالات
والمحالات التي لبسوا بها على عوامهم وطغامهم ولهذا قال: {وَحَاقَ} أي أحاط
{بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوًّا وَعَشِيًّا} أي تعرض أرواحهم في برزخهم صباحاً ومساء على النار
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
الْعَذَابِ}، وقد تكلمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في التفسير
ولله الحمد.‏
والمقصود أن الله تعالى لم يهلكهم إلا بعد إقامة الحجج
عليهم وإرسال الرسول إليهم وازاحة الشبه عنهم وأخذ الحجة عليهم منهم
فبالترهيب تارة والترغيب أخرى، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ
فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا
إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ، وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا
بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ
مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}.
يخبر
تعالى أنه ابتلى آل فرعون وهم قومُه من القبط بالسنين، وهي أعوام الجدب
التي لا يستغل فيها زرع ولا ينتفع بضرع، وقوله {وَنَقْصٍ مِنْ
الثَّمَرَاتِ} وهي قله الثمار من الأشجار {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي
فلم ينتفعوا ولم يرتدعوا بل تمردوا واستمروا على كفرهم وعنادهم {فَإِذَا
جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ} والخصب ونحوه {قَالُوا لَنَا هَذِهِ} أي هذا الذي
نستحقه وهذا الذي يليق بنا {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا
بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} أي يقولون هذا بشؤمهم أصابنا هذا ولا يقولون في
الأول انه بركتهم وحسن مجاورتهم لهم ولكن قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة عن
الحق اذا جاء الشر أسندوه إليه، وإن رأوا خيراً ادعوه لأنفسهم. قال الله
تعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ}أي الله يجزيهم على هذا
أوفر الجزاء {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون}.
{وَقَالُوا
مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ
بِمُؤْمِنِينَ} أي مهما جئتنا به من الآيات - وهي الخوارق للعادات - فلسنا
نؤمن بك ولا نتبعك ولا نطيعك ولو جئتنا بكل آية، وهكذا أخبر الله عنهم في
قوله {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا
يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ
الأَلِيمَ}.
قال الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ
وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ
فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} أما الطوفان فعن ابن عباس
هو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار. وبه قال سعيد بن جبير وقتادة
والسدي والضحاك وعن ابن عباس وعطاء: هو كثرة الموت، وقال مجاهد: الطوفان
الماء والطاعون على كل حال، وعن ابن عباس: أمر طاف بهم.
وقد روى ابن
جرير وابن مردويه من طريق يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجاج،
عن الحكم بن ميناء، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "الطوفان الموت"
وهو غريب.
وأما الجراد فمعروف، وقد روى أبو داود عن أبي عثمان عن سلمان
الفارسي قال: سئل رسول الله عن الجراد؟ فقال: "أكثر جنود الله لا آكله ولا
أحرمه". وتَرَك النبي صلى الله عليه وسلم أكله إنما هو على وجه التقذّر له،
كما ترك أكل الضب، وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث، لما ثبت في
الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفي قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم سبع غزوات نأكل الجراد. وقد تكلمنا على ما ورد فيه من الأحاديث
والآثار في التفسير.
والمقصود أنه استاق خضراءهم فلم يترك لهم زرعاً،
ولا ثماراً ولا سبداً ولا لبداً. وأما القمل فعن ابن عباس: هو السوس، الذي
يخرج من الحنطة، وعنه: انه الجراد الصغار الذي لا أجنحة له. وبه قال مجاهد
وعكرمة وقتادة. وقال سعيد بن جبير والحسن: هو دواب سود صغار. وقال عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم القمل هي البراغيث. وحكى ابن جرير عن أهل العربية
أنها الحمنان، وهو صغار القردان فوق القمامة فدخل معهم البيوت والفرش فلم
يقر لهم قرار ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش. وفسره عطاء بن السائب بهذا
القمل المعروف. وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف.
وأما الضفادع
فمعروفة، لبستهم حتى كانت تسقط في أطعمتهم وأوانيهم، حتى إن أحدهم إذا فتح
فاه (لطعام أو شراب) سقطت فيه ضفدعة من تلك الضفادع.
وأما الدم فكان قد
مزج ماؤهم كله به فلا يستقون من النيل شيئا إلا وجدوه دماً عبيطاً، ولا من
نهر ولا بئر ولا شيء إلا كان دماً في السَّاعة الراهنة.
هذا كله لم ينل
بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلية. وهذا من تمام المعجزة الباهرة والحجة
القاطعة أن هذا كله يحصل لهم من فعل موسى عليه السلام، فينالهم عن آخرهم،
ولا يحصل هذا لأحد من بني إسرائيل، وفي هذا أدل دليل.
قال محمد بن
إسحاق: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً مغلولاً ثم أبى إلا
الاقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله بالآيات فأخذه بالسنين
فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات،
فأرسل الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد. لا يقدرون على أن
يحرثوا، ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعاً.
فلما بلغهم ذلك: {قَالُوا
يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ
عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي
إسرائِيلَ}. فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلما لم فلما لم يفوا به بشيء فأرسل
الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني حتى أن كان ليأكل مسامير الأبواب
من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف
عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل، فذكر لي أن موسى
عليه السلام أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل
عظيم، فضربه بها فانثال عليهم قملاً، حتى غلب على البيوت والأطعمة، ومنعهم
النوم والقرار.
فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربه فكشف
عنهم فلما لم يفوا بشي مما قالوا أرسل عليهم الضَّفادع فملأت البيوت
والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد ثوباً ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع قد
غلبت عليه.
فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم
فلم يفوا بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دماً
لا يستقون من بئر ولا نهر يغترفون من إناء إلاّ عاد دما عبيطاً. وقال زيد
بن أسلم: المراد بالدم الرعاف. رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى:
{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا
رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ
لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسرائِيلَ، فَلَمَّا
كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ
يَنكُثُونَ، فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ
بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}.
يخبر
تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضّلال والجهل والاستكبار عن إتباع
آيات الله وتصديق رسوله مع ما أيَّده به من الآيات العظيمة الباهرة والحجج
البليغة القاهرة التي أراهم الله إياها عيانا وجعلها عليهم دليلا
وبرهاناً.
وكلما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم حلفوا وعاهدوا موسى
لئن كشف عنهم هذه ليؤمنن به وليرسلن معه من هو من حزبه، فكلما رفعت عنهم
تلك الآية عادوا إلى شرٍّ مما كانوا عليه وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم
يلتفتوا اليه فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى
فيقولون فيكذبون، ويعدون ولا يفون: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ
لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسرائِيلَ} فيكشف عنهم
ذلك العذاب الوبيل، ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل.
هذا والعظيم
الحليم القدير ينظرهم ولا يعجل عليهم، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم، ثم
أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم، والانذار إليهم أخذ عزيز مقتدر فجعلهم عبرة
ونكالاً وسلفا لمن أشبههم من الكافرين، ومثلاً لمن اتعظ بهم من عباده
المؤمنين.
كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين في سورة حم والكتاب
المبين: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا
جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ، وَمَا نُرِيهِمْ
مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ
بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ
ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ،
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ، وَنَادَى
فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا
خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلا
أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا
قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ
فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ، فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا
لِلآخِرِينَ}.
يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس
اللئيم وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات تستحق أن تقابل بالتعظيم
والتصديق وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحق والصراط
المستقيم، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزئون وعن سبيل الله يصدون، وعن
الحق ينصرفون، فأرسل الله عليهم الآيات تترى يتبع بعضها بعضا، وكلّ آية
أكبر من التي تتلوها لأنَّ التوكيد أبلغ مما قبله.
{وَأَخَذْنَاهُمْ
بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ
ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}.
لم
يكن لفظ السّاحر في زمنهم نقصاً ولا عيبا لأن علماءهم في ذلك الوقت هم
السَّحرة ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه قال الله
تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُون}.
ثم
أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها وتخرق الأنهار فيها،
وهي الخلجانات التي يكسرونها أيام زيادة النيل، ثم تبجح بنفسه وحليته وأخذ
يتنقّص رسول الله موسى عليه السلام ويزدريه بكونه {وَلا يَكَادُ يُبِينُ}
يعني كلامه بسبب ما كان في لسانه من بقية تلك اللثغة التي هي شرف له وكمال
وجمال، ولم تكن مانعة له أن كلمه الله تعالى وأوحى إليه وأنزل بعد ذلك
التوراة عليه.
وتنقّصه فرعون - لعنه الله - بكونه لا أساور في يديه ولا
زينة عليه، وانما ذلك من حلية النساء لا يليق بشهامة الرجال، فكيف بالرسل
الذين هم أكمل عقلا وأتم معرفة وأعلى همة وأزهد في الدنيا، وأعلم بما أعد
الله لأوليائه في الأخرى؟.
وقوله {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ} لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان المراد أن تعظمه الملائكة،
فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام، بكثير، كما جاء
في الحديث "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع" فكيف يكون
تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة والتسليم والتكريم!.
وان
كان المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعاً لذوي
الألباب ولمن قصد إلى الحق والصواب ويعمى عما جاء به من البينات والحجج
والواضحات من نظر إلى القشور وترك لب اللباب وطبع على قلبه ربُّ الأرباب
وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب كما هو حال فرعون القبطي العمي
الكذاّب.
قال الله تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} أي
استخف عقولهم ودرجهم من حال إلى حال إلى أن صدّقوه في دعواه الربوبية لعنه
الله وقبحهم {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا آسَفُونَا}
أي أغضبونا {انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي بالغرق والاهانة وسلب العز والتبدل
بالذل وبالعذاب بعد النعمة والهوان بعد الرفاهية والنار بعد طيب العيش
عياذاً بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك.
{فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا}
أي لمن اتبعهم في الصفات {وَمَثَلا} أي لمن اتعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم
ممن بلغه جلية خبرهم وما كان من أمرهم كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا
جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ
مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِين، وَقَالَ
مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ
تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ،
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا
لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ
الْكَاذِبِينَ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْنَاهُ
وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاق





المصدر: منتديات علماء الآثار الجزائريين * 4athardz.ahladalil.com

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


عدل سابقا من قبل الهيثم في الأربعاء 22 أغسطس 2012 - 7:29 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الهيثم
 
 
avatar


سجل : 01/09/2011
الجنس : ذكر
البلد : الجزائر
عدد المساهمات : 372

مُساهمةموضوع: رد: قصة موسى عليه السلام الجزء الثاني   الأربعاء 22 أغسطس 2012 - 7:25

(تابع للجزء الثاني )

فصل فيما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
قال
الله تعالى: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ
بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ،
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ
الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ
رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسرائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ،
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا
إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ
هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ،
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى
الْعَالَمِينَ، وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ
سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ
وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} يذكر تعالى ما كان من أمر
فرعون وجنوده في غرقهم وكيف سلبهم عزهم ومالهم وأنفسهم وأورث بني إسرائيل
جميع أموالهم وأملاكهم كما قال: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي
إسرائِيلَ} وقال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ}،
وقال هاهنا: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ
مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ
كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسرائِيلَ بِمَا صَبَرُوا
وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا
يَعْرِشُونَ}.
أي أهلك ذلك جميعه وسلبهم عزهم العزيز العريض في الدنيا، وهلك الملك وحاشيته وأمراؤه وجنوده، ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا.
فذكر
ابن عبد الحكم في تاريخ مصر: أنه من ذلك الزَّمان تسلّط نساء مصر على
رجالها بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوّجن بمن دونهن من العامّة فكانت
لهن السّطوة عليهم، واستمرت هذه سنة نساء مصر إلى يومنا هذا.
وعند أهل
الكتاب أنَّ بني إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشّهر أول
سنّتهم، وأمروا أن يذبح كلُّ أهل بيت حملا من الغنم فان كانوا لا يحتاجون
إلى حمل فليشترك الجار وجاره فيه.
فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب
أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم ولا يأكلونه مطبوخا ولكن مشويّاً
برأسه وأكارعه وبطنه، ولا يبقوا منه شيئا ولا يكسروا له عظما ولا يخرجوا
منه شيئاً إلى خارج بيوتهم، وليكن خبزهم فطيراً سبعة أيام، ابتداؤها من
الرّابع عشر من الشّهر الأول من سنتهم. وكان ذلك في فصل الربيع، فإذا أكلوا
فلتكن أوساطهم مشدودة، وخفافهم في أرجلهم، وعصيُّهم في أيديهم، وليأكلوا
بسرعةٍ قياماً. ومهما فضل عن عشائهم فما بقي إلى الغد فليحرقوه بالنار.
وشرع لهم هذا عيداً لأعقابهم ما دامت التوارة معمولاً بها، فإذا نسخت بطل
شرعها وقد وقع.
قالوا: وقتل الله عز وجل في تلك الليلة أبكار القبط،
وأبكار دوابّهم، ليشتغلوا عنهم، وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار، وأهل
مصر في مناحة عظيمة على أبكار أولادهم، وأبكار أموالهم، ليس من بيت إلا
وفيه عويل.
وحين جاء الوحي إلى موسى خَرجُوا مسرعين، فحملوا العجينَ قبل
اختماره، وحملوا الأزواد في الأردية وألقوها على عواتقهم، وكانوا قد
استعاروا من أهل مصر حلياً كثيراً، فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الدراري
بما معهم من الأنعام، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة. هذا
نص كتابهم. وهذه السنة عندهم تسمّى سنة الفسخ، وهذا العيد عيد الفسخ. ولهم
عيد الفطير، وعيد الحمل، وهو أول السنة، وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم
منصوص عليها في كتابهم.
ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف عليه
السلام، وخرجوا على طريق بحر سوف. وكانوا في النهار يسيرون والسَّحاب بين
أيديهم يسير أمامهم، فيه عامود نور، وبالليل أمامهم عامود نار فانتهى بهم
الطريق إلى ساحل البحر، فتنزلوا هنالك، وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين
وهم هنالك حلول على شاطئ اليم فقلق كثير من بني إسرائيل حتى قال قائلهم:
كان بقاؤنا بمصر أحب إلينا من الموت بهذه البرية. فقال موسى عليه السلام
لمن قال هذه المقالة: لا تخشوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد
هذا.
قالوا: وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه، وأن
يقسمه، ليدخل بنو إسرائيل في البحر واليبس. وصار الماء من هاهنا وهاهنا
كالجبلين، وصار وسطه يبساً لأن الله سلّط عليه ريحَ الجنوبِ والسَّموم،
فجاز بنو إسرائيل البحر، وأتبعهم فرعون وجنوده، فلما توسّطوه أمر الله موسى
فضرب البحر بعصاه، فرجع الماء كما كان عليهم.
لكن عند أهل الكتاب: أن هذا كان في الليل، وأنَّ البحر ارتطم عليهم عند الصبح، وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم والله أعلم.
قالوا:
ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذٍ سبَّح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح
للرب وقالوا: {نسبح الربَّ البهيَّ الّذي قهر الجنود ونبذ فرسانها في
البحر المنيع المحمود} وهو تسبيح طويل.
قالوا: وأخذت مريم النبيَّة أختُ
هارون دفاً بيدها وخرج النساء في أثرها كلّهن بدفوف وطبول، وجعلت مريم
ترتِّل لهنَّ وتقول: سبحان الرَّبّ القهار، الّذي قهر الخيول وركبانها
إلقاءً في البحر.
هكذا رأيته في كتابهم. ولعلَّ هذا هو من الذي حمل محمد
بن كعب القرظي على زعمه أنَّ مريم بنت عمران أم عيسى هي أخت هارون وموسى
مع قوله: {يَا أُخْتَ هَارُونَ}.
وقد بيّنا غلطه في ذلك، وأن هذا لا
يمكن أن يقال، ولم يتابعه أحد عليه، بل كلُ واحد خالفه فيه، ولو قدر أن هذا
محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون عليهما السَّلام، وأم عيسى
عليها السلام وافقتها في الاسم واسم الأب واسم الأخ لأنَّهم كما قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة، لما سأله أهل نجران عن قوله: "يا
أخت هارون" فلم يدر ما يقول لهم، حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
ذلك فقال: "أما علمت أنَّهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم" رواه مسلم.
وقولهم
"النبيَّةُ" كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة، ومن بيت الإمرة أميرة،
وان لم تكن مباشرة شيئاً من ذلك. فكذا هذه استعارة لها لا أنها نبية حقيقة
يوحى إليها.
وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم
دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد، وهذا مشروع لنا أيضا
في حقِّ النّساء لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف في
أيام منىً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع مولٍ ظهرَهُ إليهم، ووجهه
إلى الحائط، فلما دخل أبو بكر زجرَهُنَّ وقال: أبمزمور الشَّيطان في بيت
رسول الله؟ فقال: "دعهن يا أبا بكر فإنَّ لكلِّ قوم عيداً وهذا عيدنا".
وهكذا يشرع عندنا في الأعراس، ولقدوم الغيّاب، كما هو مقرر في موضعه والله
أعلم.
وذكروا أنهم لما جازوا البحر وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام مكثوا
ثلاثة أيام لا يجدون ماءً، فتكلّم من تكلم منهم، بسبب ذلك، فوجدوا ماء
زعافاً أجاجاً لم يستطيعوا شربه، فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه فحلا
وساغ شربه، وعلّمه الربُّ هنالك فرائضَ وسنناً ووصّاه وصايا كثيرة.‏
وقد
قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب:
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا
إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ
هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون}
قالوا: هذا الجهل والضلال، قد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلّهم على صدق
ما جاءهم به رسول ذو الجلال والإكرام، وذلك أنه مروا على قومٍ يعبدون
أصناماً، قيل: كانت على صور البقر، فكأنهم سألوهم: لم يعبدونها؟ فزعموا لهم
أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات، فكأنَّ بعض الجهَّال منهم
صدّقوهم في ذلك، فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما
لأولئك آلهة، فقال لهم مبيناً لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون: {إِنَّ
هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون}.
ثم
ذكّرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشَّرع
والرَّسول الذي بين أظهرهم، وما أحسن به إليهم، وما امتن به عليهم، من
إنجائهم من قبضة فرعون الجبّار العنيد، وإهلاكه إياه وهم ينظرون، وتوريثه
إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة، وما كانوا يعرشون،
وبيّن لهم أنه لا تصلح العبادة إلاّ لله وحده لا شريك له لأنه الخالق
الرازق القهار، وليس كلُّ بني إسرائيل سأل هذا السؤال بل هذا الضمير عائدٌ
على الجنس في قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا
عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى
اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} أي قالَ بعضهم كما في قوله
{وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى
رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} فالذين زعموا هذا بعض
الناس لا كُلُّهم.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر،
عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله
اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم
بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، هذا كما
قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن
الّذين من قبلكم".
ورواه النسائي عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به.
ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة عن
الزهري به ثم قال: حسن صحيح.
وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق
ومعمر وعقيل، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي، أنهم
خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين قال: وكان للكفار
سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، قال: فمررنا
بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا يا رسول الله؛ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم
ذات أنواط، قال: قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: {اجْعَل لَنَا
إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ
هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون}.‏
والمقصود
أن موسى عليه السلام لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد
فيها قوماً من الجبّارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم.
فأمرهم
موسى عليه السّلام بالدّخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت
المقدس، فإن الله كتبه لهم ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل، أو موسى
الكليم الجليل، فأبوا ونكلوا عن الجهاد، فسلّط الله عليهم الخوف وألقاهم في
التيه يسيرون ويحلّون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون في مدة من السنين طويلة هي
من العدد أربعون كما قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا
قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ
أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا
مِنْ الْعَالَمِينَ، يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ
فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا
جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ
يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ، قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ
يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ
فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ
فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ
نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ
إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ
الْفَاسِقِينَ، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ
سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ
الْفَاسِقِينَ}.
يذكرهم نبيُّ اللهِ نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم
بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه
فقال: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ
اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} أي تنكصوا على
أعقابكم وتنكلوا عن قتال أعدائكم {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} أي فتخسروا
بعد الرّبح وتنقصوا بعد الكمال.
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا
قَوْمًا جَبَّارِينَ} أي عتاة كفرة متمردين {وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا
حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}
خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون وهو أجبر من هؤلاء وأشد
بأساً وأكثر جمعاً وأعظم جنداً، وهذا يدلُّ على أنهم ملومون في هذه المقالة
ومذمومون على هذه الحالة من الذلّة عن مصاولة الأعداء ومقاومة المردة
الأشقياء.
وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثاراً فيها مجازفات كثيرة
باطلة يدل العقل والنقل على خلافها، من أنهم كانوا أشكالاً هائلة ضخاماً
جداً حتى إنهم ذكروا أنَّ رسل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من
رسل الجبّارين فجعل يأخذهم واحداً واحداً ويلفُّهم في أكمامه وحجرة
سراويله، وهم إثنا عشر رجلاً، فجاء فنثرهم بين يدي ملك الجبّارين، فقال: ما
هؤلاءِ؟ ولم يعرف أنهم من بني آدم حتى عرفوه، وكل هذه هذيانات وخرافات لا
حقيقة لها.
وأن الملك بعث معهم عنباً كل عنبة تكفي الرجل، وشيئاً من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم وهذا ليس بصحيح.
وذكروا
هاهنا أنَّ عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم، وكان
طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع.
هكذا
ذكره البغوي وغيره وليس بصحيح كما قدمنا بيانه عند قوله صلى الله عليه
وسلم: "إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن".
قالوا:
فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى، فجاء
طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها فصارت طوقاً في عنق عوج بن عنق. ثم عمد موسى
إليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع وبيده عصاه وطولها عشرة
أذرع فوصل إلى كعب قدمه فقتله.
يروى هذا عن نوف البكّالي، ونقله ابن
جرير عن ابن عباس وفي إسناده إليه نظر. ثم هذا كله من الإسرائيليات، وكل
هذه من وضع جهال بني إسرائيل فان الأخبار الكاذبة قد كثرت عندهم، ولا تمييز
لهم بين صحتها وباطلها. ثم لو كان هذا صحيحاً لكان بنو إسرائيل معذورون في
النكول عن قتالهم وقد ذمهم الله في نكولهم وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم
ومخالفتهم رسولهم، وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام ونهياهم عن
الإحجام، ويقال: إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا. قاله ابن عباس ومجاهد
وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس وغير واحد.
{قَالَ رَجُلانِ مِنْ
الَّذِينَ يَخَافُونَ} أي يخافون الله وقرأ بعضهم يخافون أي يُهابون
{أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي بالاسلام والايمان والطّاعة والشَّجاعة
{ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ
غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}أي إذا
توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم إليه نصركم على عدوكم وأيدكم عليهم
وأظفركم بهم.
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا
دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا
قَاعِدُونَ} فصمم ملؤهم على النكول عن الجهاد ووقع أمر عظيم ووهن كبير.
فيقال: إن يوشع وكالب لما سمعا هذا الكلام شقّا ثيابهما، وإن موسى وهارون
سجدا إعظاما لهذا الكلام، وغضباً لله عز وجل، وشفقة عليهم من وبيل هذه
المقالة.
قال: {رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي
فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. قال ابن عباس:
"اقض بيني وبينهم". {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ
سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ
الْفَاسِقِينَ} عوقبوا على نكولهم بالتيهان في الأرض يسيرون إلى غير مقصد
ليلاً ونهاراً وصباحاً ومساءً. ويقال: إنه لما يخرج أحد من التيه ممن دخله
بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة ولم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع وكالب
عليهما السلام.
لكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر لم يقولوا له
كما قال قوم موسى، بل لما استشارهم في الذهاب إلى النفير تكلم الصّديق
فأحسن وتكلم غيره من المهاجرين.
ثم جعل يقول: أشيروا عليّ، حتى قال سعد
بن معاذ: كأنك تعّرض بنا يا رسول الله؟ فوالّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا
هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا
عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعلّ الله أن يريك منا ما
تقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله. فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم بقول سعد ونشطه ذلك.
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان،
عن مخارق بن عبد الله الأحمسى، عن طارق - هو ابن شهاب - أن المقداد قال
لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما
قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا
هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.
وهذا إسناد جيد من هذا الوجه وله طرق أخرى.
قال
أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب،
قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن
أكون أنا صاحبه أحبّ إلي مما عدل به أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو
يدعو على المشركين قال: واللهِ يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو
إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا
قَاعِدُونَ}، ولكننا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك،
فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك.
رواه البخاري في التفسير والمغازي من طرق عن مخارق به.
وقال
الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين بن علي، حدثنا أبو حاتم
الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عُمَرُ، ثم
استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله
عليه وسلم قالوا: إذاً لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: {اذْهَبْ
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} والذي بعثك بالحق
لو ضربت أكبادَها إلى بَرْكِ الغماد لا تّبعناك.
رواه الامام أحمد عن
عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به، ورواه النسائي عن محمد بن
المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عن أنس به نحوه. وأخرجه ابن حبان في
صحيحه عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حماد عم معتمر عن حميد عن أنس به
نحوه.





المصدر: منتديات علماء الآثار الجزائريين * 4athardz.ahladalil.com

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير
 
 
avatar


سجل : 18/08/2010
الجنس : ذكر
البلد : الجزائر
عدد المساهمات : 1305

مُساهمةموضوع: رد: قصة موسى عليه السلام الجزء الثاني   الخميس 23 أغسطس 2012 - 21:01





اختيـــار موفق ومميز للموضــوع

شاكرين لك اهتمامك في طرح كل مميز في منتدانا

مما يســــاهم في تقدم المنتدى الى الأمــــام

لك منا كل التقدير . . . في انتظار جديدك





المصدر: منتديات علماء الآثار الجزائريين * 4athardz.ahladalil.com

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصة موسى عليه السلام الجزء الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات علماء الآثار الجزائريين  :: المنتديات الاسلامية :: منتدى السيرة النبوية وقصص الأنبياء :: قسم قصص الأنبيـاء-
انتقل الى: