منتديات علماء الآثار الجزائريين

آثـــارنـــا . . . هويتنـــا
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
بسم الله الرحمن الرحيم : الاخوة الأكارم أعضاء منتديات علماء الآثار الجزائريين نرحب بكم أجمل ترحيب ونتمنى أن تجدو الفائدة بيننا ، كما نطلب من الجميع اختيار القسم المناسب للمواضيع لنحافظ جميعا على ترتيب منتدانا الغالي ... شكـــرا
علماء الآثار الجزائريين
أنت الزائر رقم
عاصمة الثقافة الإسلامية

اليـــــوم
الساعة الأن
مواقــيت الصــلاة
المصحف الإلكتروني

حـــالة الطقس اليـــوم
المواضيع الأخيرة
المتـواجديــن
سجل
أنت غير مسجل فى منتديات علماء الآثار الجزائريين . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
سجل الزوار
سجل الزوار


شاطر | 
 

 قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام الجزء الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الهيثم
 
 
avatar


سجل : 01/09/2011
الجنس : ذكر
البلد : الجزائر
عدد المساهمات : 372

مُساهمةموضوع: قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام الجزء الثاني   الثلاثاء 21 أغسطس 2012 - 23:01

قصص الانبياء

للامام ابن كثير

قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام

الجزء الثاني





وقوله لها لما
رجعت إليه: مَهْيَمْ؟ معناه ما الخبر؟ فقالت: إن الله رد كيد الكافرين. وفي
رواية الفاجر. وهو الملك، وأخدم جارية. وكان إبراهيم عليه السلام من وقت
ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عز وجل ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد
بأس هذا الذي أراد أهله بسوء، وهكذا فعلت هي أيضاً، فلما أراد عدو الله، أن
ينالَ منها أمراً قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عز وجل بما تقدم من
الدعاء العظيم، ولهذا قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}
فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.
وقد
ذهب بعضُ العلماء إلى نبوة ثلاث ن*** سارة وأم موسى ومريم عليهن السلام.
والذي عليه الجمهور أنهن صدِّيقات رضي الله عنهن وأرضاهن.
ورأيت في بعض
الآثار: أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها،
فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه، وكان مشاهداً لها، وهي
عند الملك، وكيف عصمها الله منه، ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه، وأشد
لطمأنينته، فإنه كان يحبّها حباً شديداً لدينها وقرابتها منه، وحسنها
الباهر، فإنه قد قيل: إنه لم تكن امرأة بعد حَوَّاء إلى زمانها أحسن منها
رضي الله عنها. ولله الحمد والمنة.
وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعونَ مصر
هذا كان أخاً للضحاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملاً لأخيه على مصر.
ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن
نوح. وذكر ابن هشام في التيجان أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن
مايلون بن سبأ، وكان على مصر. نقله السهيلي والله أعلم.
ثم إن الخليل
عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهي الأرض المقدسة التي كان
فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية.
ثم إن
لوطاً عليه السلام نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك
إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم، وهي أم تلك البلاد في
ذلك الزمان، وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً.
وأوحى الله تعالى إلى
إبراهيم الخليل، فأمره أن يمد بصره، وينظر شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً،
وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك
حتى يصيروا بعدد تراب الأرض.
وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة بل ما كملت
ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمدية. يؤيد ذلك قول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ
ملك أمتي ما زوى لي منها".
قالوا: ثم إن طائفة من الجبّارين تسلّطوا على
لوط عليه السلام، فأسروه وأخذوا أمواله، واستاقوا أنعامه. فلما بلغ الخبر
إبراهيم الخليل سار إليه في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً فاستنقذ لوطاً عليه
السلام واسترجع أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقاً كثيراً، وهزمهم
وساق في آثارهم، حتى وصل إلى شمالي دمشق، وعسكر بظاهرها عند برزة، وأظن
مقام إبراهيم إنما سمي لأنه كان موقف جيش الخليل والله أعلم.
ثم رجع مؤيداً منصوراً إلى بلاده، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين، واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه.‏


ذكر مولد إسماعيل عليه السلام مِنْ هاجر
قال
أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وان الله بشَّره
بذلك، وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد المقدس عشرون سنة، قالت سارة لإبراهيم
عليه السلام، إن الرب قد حرمني الولد، فادخل على أمتي هذه، لعل الله يرزقني
منها ولداً.
فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها
حملت منه، قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها، وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها
سارة، فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال: لها افعلي بها ما شئت، فخافت هاجر
فهربت، فنزلت عند عين هناك، فقال لها ملك من الملائكة، لا تخافي فإنَّ الله
جاعلٌ من هذا الغلام الذي حملت خيراً، وأمرها بالرجوع، وبشَّرها أنها ستلد
ابناً، وتسمية إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل ويد الكل به، ويملك
جميع بلاد اخوته، فشكرت الله عز وجل على ذلك.
وهذه البشارة إنما انطبقت
على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه الذي به سادت العرب، وملكت
جميع البلاد غرباً وشرقاً، وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما
لم تُؤْتَ أُمّةٌ من الأمم قبلهم، وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل،
وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل
الأرض.
ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام.
قالوا: وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة.
ولما
ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة، فخر لله ساجداً،
وقال له وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ويمنته جداً كثيراً،
ويولد له اثنا عشر عظيماً. وأجعله رئيساً لشعب عظيم.
وهذه أيضاً بشارة
بهذه الأمة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيماً هم الخلفاء الراشدون الاثنا
عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال"يكون اثنا عشر أميراً" ثم قال كلمة لم أفهمها، فسألت
أبي ما قال؟ قال: "كلهم من قريش" أخرجاه في "الصحيحين".
وفي رواية "لا يزال هذا الأمر قائماً" وفي رواية (عزيزاً حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).

فهؤلاء
منهم الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ومنهم عمر بن عبد العزيز
أيضاً. ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقاً بل لا
بد من وجودهم.
وليس المراد الأئمة الأثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة
الذين أولهم علي بن أبي طالب وأخرهم المنتظر بسرداب سامرّا وهو مُحَمْد بن
الحسن العسكري فيما يزعمون، فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وابنه
الحسن بن علي، حين ترك القتال وسلم الأمر لمعاوية، وأخمد نار الفتنة، وسكن
رحى الحرب بين المسلمين، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على
الأمة في أمر من الأمور. وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذلك هوَسٌ في
الرؤوس، وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر.
والمقصود أن
هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل واشتدت غيرة سارة منها، وطلبت من
الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسارَ بهما حتى وضعهما حيث
مكة اليوم.
ويقال إنَّ ولدها كان إذ ذاك رضيعاً.
فلما تركهما هناك
وولّى ظهره عنهما، قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت: يا إبراهيم أين
تذهب وتدعنا هاهنا، وليس معنا ما يكفينا؟ فلم يجبها، فلما ألحت عليه وهو لا
يجيبها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت فإذاً لا يضيّعنا.
وقد
ذكر الشيخ أبو مُحَمْد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر: أن سارة
غضبت على هاجر، فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها، فأمرها الخليل أن تثقب
أذنيها، وأن تخفضَها فتبر قسمَها.
قال السهيلي: فكانت أول من اختتن من النساء، وأول من ثقبت أذنها منهن، وأول من طوّلت ذيلها.


ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي أرض مكّة، وبنائه البيت العتيق.
قال
البُخَاريّ: قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبه - حَدَّثَنا
عبد الرزاق، حَدَّثَنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن عبد
المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما عن الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عبَّاس قال: "أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً
لتعفى أثرها على سارة". ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى
وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد،
وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء.
ثم
قفّى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب
وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً؛ وجعل
لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا.
ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل
بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي
أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ
الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ
النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ}.
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى
إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال:
يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها،
فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من
الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود،
حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر
أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عبَّاس قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها.
ثم
تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند
موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضُه وتقول
بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال
ابن عبَّاس قال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت
زمزم". أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً مَعِيْناً". قال:
فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتاً لله
يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعاً من
الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى
مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في
أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء،
لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جرييّن فإذا هم بالماء،
فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا.
قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقَّ لكم في الماء عندنا. قالوا: نعم.
قال
عبد الله بن عبَّاس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فألفى ذلك أمَّ
إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا
كان بها أهل أبيات منهم.
وشبَّ الغلام وتعلّم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك، زوّجوه امرأة منهم.
وماتت
أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل، يطالع تركته فلم يجد
إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم
وهيئتهم؟ فقالت: نحن بشرٍّ نحن في ضيق وشدّةٍ وشكت إليه. قال: فإذا جاء
زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل
كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا كذا،
فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل
أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غيّر عتبة
بابك. قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوَّج
منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله. ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل
على امرأته فسألها عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن
عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل، فقال: ما
طعامكم؟ قالت: اللحم قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال اللهم بارك لهم في
اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولم يكن لهم يومئذ حب.
ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا
لم يوافقاه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُريه يثبت عتبة
بابه. فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن
الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا
بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت
عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم ما لبث عنهم
ما شاء الله. ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نَبْلاً له تحت دوحةٍ قريباً من
زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا، كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد.
ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال:
وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى
أكمة مرتفعة على ما حولها.
قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل
إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا
الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان
{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
ثم
قال: حَدَّثَنا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو،
حَدَّثَنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عبَّاس قال: لما كان من إبراهيم وأهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل
ومعهم شَنَّةٌ فيها ماء. وذكر تمامه بنحو ما تقدم.
وهذا الحديث من كلام
ابن عبَّاس وموشح برفع بعضه، وفي بعضه غرابة، وكأنه مما تلقاه ابن عبَّاس
عن الإسرائيليات، وفيه أن إسماعيل كان رضيعاً إذ ذاك.
وعند أهل التوراة
أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده إسماعيل، وكل من عنده من العبيد،
وغيرهم، فختنهم، وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره، فيكون عمر إسماعيل
يومئذ ثلاث عشرة سنة، وهذا امتثال لأمر الله عز وجل في أهله، فيدل على أنه
فعله على وجه الوجوب، ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على
الرجال كما هو مقرر في موضعه.
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البُخَاريّ:
حَدَّثَنا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "اختتن
إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم".
تابعه عبد
الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان عن أبي هريرة، ورواه مُحَمْد
بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به.
وفي بعض الألفاظ: "اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم" والقدوم هو الآلة، وقيل: موضع.
وهذا
اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين. والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند
ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه قال اختتن
إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة". رواه ابن حيان
في "صحيحه".
وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح، وأنه إسماعيل، ولم يذكر
في قدمات إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات، أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل
بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صِغَر الولد على ما ذكر إلى حين تزويجه لا
ينظر في حالهم. وقد ذكر أن الأرض كانت تنطوي له، وقيل إنه كان يركب البراق
إذا سار إليهم، فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة
والحاجة الأكيدة؟!
وكأن بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز
بشيء من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح، وقد دللنا على أن الذبيح هو
إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات.

قصة الذبيح
قال الله تعالى:
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِي، رَبِّ هَبْ لِي مِنْ
الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ
السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي
أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يا أبتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ
صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا
لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ،
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ،
وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِين، وَبَارَكْنَا
عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}.
يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد
قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشّره الله تعالى بغلام حليم وهو
إسماعيل عليه السلام، لأنه أول من ولد له على رأس ستٍ وثمانين سنة من عمر
الخليل. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لأنه أول ولده وبكره.
وقوله
{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وصار يسعى في مصالحه كأبيه.
قال مجاهد: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وارتحل وأطاق ما
يفعله أبوه من السعي والعمل.
فلما كان هذا رأى إبراهيم عليه السلام في
المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا. وفي الحديث عن ابن عبَّاس مرفوعاً "رؤيا
الأنبياء وحيٌ". قاله عبيد ابن عمير أيضاً.
وهذا اختبار من الله عز وجل
لخليلهِ في أن يذبح هذا الوزير العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن
بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا
زرع ولا ضرع، فامتثل أمر الله في ذلك وتركها هناك، ثقة بالله وتوكلاً
عليه، فجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً، ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما
أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره
ووحيده، الذي ليس له غيره، أجاب ربَّه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته.
ثم
عرض ذلكَ على ولده ليكونَ أطيب لقلبهِ وأهون عليه، من أن يأخذه قَسْراً
ويذبحه قهراً {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي
أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}.
فبادر الغلام الحليم، سر والده
الخليل إبراهيم، فقال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ
شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ}. وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة
للوالد ولرب العباد.
قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ
لِلْجَبِينِ} قيل: أسلما، أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك. وقيل: وهذا
من المقدم والمؤخر، والمعنى {تَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، أي ألقاه على وجهه.
قيل: أراد أن يذبحه من قفاه، لئلا يشاهده في حال ذبحه، قال ابن عبَّاس
ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح،
وبقي طرف جبينه لاصقاً بالأرض. (وأسلما) أي سمى إبراهيم وكبر، وتشّهد الولد
للموت. قال السُّدِّي وغيره: أمَرَّ السّكين على حلْقِهِ فلم تقطع شيئاً،
ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم.
فعند ذلك نودي من
الله عز وجل: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}. أي قد
حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك. وبدّلك ولدك للقربان،
كما سمحت ببدنك للنيران، وكما مالك مبذول للضيفان، ولهذا قال تعالى:
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ}. أي الاختبار الظاهر البين.
وقوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم}. أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يَسَّرَهُ الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور
عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن، رآه مربوطاً بسمرة في ثبير. قال
الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال:
كبش قد رعى في الجنَّة أربعين خريفاً. وقال سعيد بن جبير: كان يرتع في
الجنَّة حتى تشقق عنه ثبير، وكان عليه عِهْنٌ أحمر. وعن ابن عبَّاس: هبط
عليه من ثبير كبش أعين، أقرن، له ثغاء، فذبحه، وهو الكبش الذي قرّبه ابن
آدم فتقبل منه. رواه ابن أبي حاتم.
قال مجاهد: فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام.
فأما ما روي عن ابن عبَّاس أنه كان وَعْلاً. وعن الحسن أنه كان تيساً من الأروى، واسمه جرير، فلا يكاد يصح عنهما.

ثم
غالب ما ها هنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات. وفي القرآن كفاية عما
جرى من الأمر العظيم والاختبار الباهر وأنه فُدِيَ بذبح عظيم، وقد ورد في
الحديث أنه كان كبشاً.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنا سفيان، حَدَّثَنا
منصور، عن خاله نافع، عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتني امرأة من بني سليم
ولّدَتْ عامة أهل دارنا، قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
عثمان بن طلحة، وقالت مرّة إنها سألت عثمان لِمَ دعاك رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: "إني كنت رأيت قَرْبَي الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك
أن تخمرها فخمرها، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي".
قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا.
وكذا روى عن ابن عبَّاس : أن رأس الكبش لم يزل معلقاً عند ميزاب الكعبة قد يبس.
وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل، لأنه كان هو المقيم بمكة. وإسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
وهذا
هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل لأنه ذكر قصة
الذبيح، ثم قال بعده {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ
الصَّالِحِينَ}. ومن جعله حالا فقد تكلف، ومستنده انه إسحاق إنما هو
إسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعاً، ولا محيد عنه، فإن
عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة من المعربة بكْره
إسحاق، فلفظة إسحاق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لأنه ليس هو الوحيد ولا
البكر. إنما ذاك إسماعيل.
وإنما حملهم على هذا حسد العرب، فإن إسماعيل
أبو العرب الذين يسكنون الحجاز، الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإسحاق والد يعقوب وهو إسرائيل، الذي ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا
الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه، وهم قوم بُهْتٌ، ولم يقرّوا بأن
الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وقد قال بأنه إسحاق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم. وإنما أخذوه والله أعلم من كعب الأحبار، أو من صحف أهل الكتاب.
وليس
في ذلك حديثٌ صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز، ولا
يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم، بل المنطوق، بل النص، عند التأمل على أنه
إسماعيل.
وما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظي على أنه إسماعيل، وليس
بإسحاق من قوله {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ
يَعْقُوبَ} قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق وانه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر
بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟
هذا لا يكون، لأنه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم.
وقد
اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله {فَبَشَّرْنَاهَا
بِإِسْحَاقَ } جملة تامة وقوله {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} جملة
أخرى ليست في حيز البشارة. قال لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكون
مخفوضاً، إلا أن يعاد معه حرف الجر، فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده
عمر وحتى يقال ومن بعده بعمر. وقال: فقوله: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ
يَعْقُوبَ}. منصوب بفعل مضمر تقديره {ووهبنا لإسحاق يعقوب}.
وفي هذا الذي قاله نظر.
ورجّح
أنه إسحاق واحتج بقوله {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} قال: وإسماعيل
لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بجبال مكة، فكيف يبلغ معه السعي؟
وهذا
أيضاً فيه نظر لأنه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكباً
البراق إلى مكة، يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله تعالى أعلم.
فممن
حكى القول عنه بأنه إسحاق كعب الأحبار. وروى عن عمر والعباس وعلي وابن
مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشَّعبي ومقاتل وعبيد بن
عمير وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبي
بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسُّدِّي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن
سابط، وهو اختيار ابن جرير، وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن
عبَّاس.
ولكن الصحيح عنه - وعن أكثر هؤلاء - أنه إسماعيل عليه السلام.
قال مجاهد وسعيد والشَّعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عبَّاس
هو إسماعيل عليه السلام.
وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب،
أخبرني عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس أنه قال: المفدى
إسماعيل. وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه هو إسماعيل. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن الذبيح؟ فقال: الصحيح أنه إسماعيل عليه السلام.
قال
ابن أبي حاتم وروى عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن
المُسَّيب وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد والشَّعبي ومُحَمْد بن كعب وأبي
جعفر مُحَمْد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح هو إسماعيل عليه السلام.
وحكاه البغوي أيضاً عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمرو بن العلاء.
قلت وروي عن معاوية، وجاء عنه أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومُحَمْد بن إسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول: لا شك في هذا.
وقال
مُحَمْد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الأسلمي عن مُحَمْد بن كعب
أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام،
يعني استدلاله بقوله بعد ذكر القصة: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ
وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} فقال له عمر: إن هذا الشيء ما كنت أنظر فيه
وإني لأراه كما قلت.
ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهودّياً
فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم، قال: فسأله عمر بن عبد العزيز
أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن
اليهودَ لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي
كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره، لما أمر به. فهم
يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم.
وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.‏


ذكر مولد إسحاق عليه السلام
قال
الله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ،
وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ
وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}.
وقد كانت البشارة به من الملائكة
لإبراهيم وسارة، لما مروا بهما مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط، ليدمروا
عليهم، لكفرهم وفجورهم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال
الله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ،
فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ
مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ
لُوطٍ، وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ
وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ
وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ،
قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ}.
وقال تعالى:
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ
فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، قَالُوا لا تَوْجَلْ
إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ، قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ
مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ
فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ، قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ
رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ}.
وقال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ
إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً
قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ
سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَأَوْجَسَ
مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيم،
فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ
عَجُوزٌ عَقِيمٌ، قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ
الْعَلِيمُ}.
يذكر تعالى: أن الملائكة قالوا، وكانوا ثلاثة جبريل
وميكائيل واسرافيل، لما وردوا على الخليل، حسبهم أولاً أضيافاً، فعاملهم
معاملة الضيوف، وشَوَى لهم عجلاً سميناً، من خيار بقره، فلما قرّبه إليهم
وعرض عليهم، لم يَرَ لهم همّةً إلى الأكل بالكلية، وذلك لأن الملائكة ليس
فيهم قوة الحاجة إلى الطعام (فنكرهم) إبراهيم وأوجس منهم خيفة {وَأَوْجَسَ
مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ
لُوطٍ} أي لندمر عليهم.

فاستبشرت عند ذلك سارة غضباً لله عليهم،
وكانت قائمة على رؤوس الأضياف، كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم،
فلما ضحكت استبشاراً بذلك قال الله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ
وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} أي بشرتها الملائكة بذلك
{فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي في صرخة {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا}
أي كما يفعل النساء عند التعجب. وقالت: {يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا
عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً} أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضاً،
وهذا بعلي أي زوجي شيخاً؟ تعجبت من وجود ولد، والحالة هذه، ولهذا قالت:
{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ، قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ
حَمِيدٌ مَجِيدٌ}.
وكذلك تعجَّب إبراهيم عليه السلام استبشاراً بهذه
البشارة وتثبيتاً لها وفرحاً بها: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ
مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ
فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ} أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه
فبشروهما {بِغُلامٍ عَلِيمٍ}. وهو إسحاق أخو إسماعيل غلام عليم، مناسب
لمقامه وصبره، وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر. وقال في الآية الأخرى
{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}.
وهذا
مما استدل به مُحَمْد بن كعب القرظي وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل، وأن
إسحاق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت عليه البشارة بوجوده ووجود ولده
يعقوب المشتق من العقب من بعده.

وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل
الحنيذ وهو المشوي رغيفاً من مكة فيه ثلاثة اكيال، وسمن ولبن. وعندهم أنهم
أكلوا وهذا غلط محض. وقيل: كانوا يرون أنهم يأكلون، والطعام يتلاشى في
الهواء.
وعندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم: أما ساراي امرأتك فلا يدعى
اسمها ساراي، ولكن اسمها سارّة، وأبارك عليها وأعطيك منها ابناً، وأباركه
ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه، فخرّ إبراهيم على وجهه، يعني ساجداً، وضحك
قائلاً: في نفسه أبعد مائة سنة يولد لي غلام؟ أو سارة تلد؟ وقد أتت عليها
تسعون سنة؟!
وقال إبراهيم لله تعالى ليت إسماعيل يعيش قدامك. فقال الله
لإبراهيم بحقي إن امرأتك سارة تلد لك غلاماً وتدعو اسمه إسحاق إلى مثل هذا
الحين من قابل، وأوثقه ميثاقي إلى الدهر، ولخلفه من بعده، وقد استجبت لك في
إسماعيل، وباركت عليه وكبرته ونميته جداً كثيراً، ويولد له اثنا عشر
عظيماً، وأجعله رئيساً لشعب عظيم.
وقد تكلمنا على هذا بما تقدم والله أعلم.
فقوله
تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}
دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق، ثم من بعده بولده يعقوب.
أي
يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده. ولو لم يرد هذا لم يكن
لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة، ولما عين
بالذكر دل على أنهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله،
وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا}.
وقال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}.
وهذا إن شاء الله ظاهر قوي
ويؤيده ما ثبت في "الصحيحين". في حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم
بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع
أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟
قال: أربعون سنة. قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركت الصلاة فصلِّ فكلها
مسجد".
وعند أهل الكتاب أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الأقصى، وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله.
وهذا
متجه، ويشهد له ما ذكرناه من الحديث، فعلى هذا يكون بناء يعقوب عليه
السلام وهو إسرائيل بعد بناء الخليل، وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين
سنة سواء، وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجوب إسحاق لأن إبراهيم عليه السلام لما
دعا قال في دعائه: كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ
اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ
الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ
تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ،
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ، رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا
نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي
الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى
الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ،
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا
وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.
وما جاء في الحديث من أن
سليمان بن داود عليهما السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثاً
كما ذكرناه عند قوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي
لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}، وكما سنورده في قصته، فالمراد من ذلك والله أعلم
أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة، ولم يقل أحد إنَّ بين
سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه، وهذا القول
لم يوافق عليه ولا سبق إليه.‏

ذكر بناية البيت العتيق
قال الله
تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا
تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ
رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}.
وقال
تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِين، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ
إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}.
وقال تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى
إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ، وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَعَهِدْنَا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ
وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ
اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ
آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ
فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ
وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا
أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ
أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا
مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
يذكرُ
تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء إبراهيم
عليه السلام أنه بنى البيت العتيق، الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس،
يعبدون الله فيه وبوّأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودلّه عليه.
وقد
روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله
عز وجل. وقد قدمنا في صفة خلق السماوات، أن الكعبة بحيال البيت المعمور،
بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السماوات السبع، كما قال بعض
السلف: إن في كل سماء بيتاً يعبد الله فيه أهل كل سماء، وهو فيها ككعبة
لأهل الأرض.
فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام، أن يبني له بيتاً
يكون لأهل الأرض، كتلك المعابد لملائكة السماوات، وأرشده الله إلى مكان
البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السماوات والأرض، كما ثبت في
"الصحيحين": "أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام
بحرمة الله إلى يوم القيامة".

ولم يجئ في خبر صحيح، عن معصوم، أن
البيت كان مبنيّاً قبل الخليل عليه السلام. ومن تمسك في هذا بقوله {مَكَانَ
الْبَيْتِ} فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله
المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم.
وقد
ذكرنا أن آدم نصبَ عليه قُبّةً وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا
البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوماً، أو نحو ذلك، ولكن كل هذه الأخبار
عن بني إسرائيل. وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن
ردها الحق فهي مردودة.
وقد قال الله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}. أي أول
بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة. وقيل محل الكعبة
{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} أي على أنه بناء الخليل والد الأنبياء ممن بعده،
وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته، ولهذا قال:
{مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} أي الحِجْر الذي كان يقف عليه قائماً لما ارتفع
البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لمّا تعالى
البناء، وعظم الفناء، كما ذكر في حديث ابن عبَّاس الطويل.
وقد كان هذا
الحَجَرُ ملصقاً بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر
بن الخطاب رضي الله عنه فأخّره عن البيت قليلاً، لئلا يشغل المصلّين عنده
الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا، فإنّه قد وافقه
ربه في أشياء، منها قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم لو اتخذنا من مقام
إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ
مُصَلًّى}. وقد كانت آثار قدميّ الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام.
وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:
وثورٍ ومنْ أرسى ثَبيراً مكانَهُ ** وراقَ ليرٌقى في حِراء ونازِل
وبالبيتِ حقّ البيت من بطنِ مكة وباللهِ إنّ الله ليس بغافِل
وبالحجرِ المسودّ إذ يمسحّونه ** إذِ اكتنفوهُ بالضّحى والأَصائل
وموطئ إبراهيمَ في الصّخر رطبة ** على قدميهِ حَافياً غيرَ ناعل
يعني
أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت، على قدر قدمه حافية لا منتعلة،
ولهذا قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ
الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} أي في حال قولهما: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله
عز وجل، وهما يسألان من الله عز وجل السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما
فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ
لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
والمقصود
أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في وادٍ غير ذي زرع، ودعا
لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع
والثمار، وأن يجعله حرماً محرماً، وآمنا محتما.
فاستجاب الله وله الحمد
له مسألته، ولبّى دعوته وآتاه طلبته فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} وقال
تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ
ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا}.

وسأل الله أن يبعث
فيهم رسولاً منهم، أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم
عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الأولى والآخرة.
وقد استجاب
الله له فبعث فيهم رسولاً، وأي رسول ختم به أنبياءه ورسله، وأكمل له من
الدين ما لم يؤت أحداً قبله وعمّ بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم
ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة، وكان
هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء لشرفه على نفسه وكمال ما أرسل به، وشرف
بقعته وفصاحة لغته، وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته وكريم محتده،
وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده.
ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام
إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض، أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل
السماوات، ورفيع الدرجات عند البيت المعمور، الذي هو كعبة أهل السماء
السابعة المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة
يتعبدون فيه. ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور.
وقد ذكرنا في
التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت، وما ورد في ذلك من الأخبار
والآثار بما فيه الكفاية، فمن أراد فليراجعه ثم. ولله الحمد.
فمن ذلك ما
قاله السُّدِّي: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، ثم لم
يدريا أين مكانه؟ حتى بعث الله ريحاً يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في
صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها
بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، وذلك حين يقول تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا
لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}.
فلما بلغا القواعد وبنيا الركن، قال
إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي الحجر الأسود من الهند، وكان أبيض
ياقوتة بيضاء، مثل النعامة، وكان آدم هبط به من الجنَّة فاسّود من خطايا
الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن. فقال: يا أبتي من جاءك بهذا؟
قال جاء به مَنْ هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ
مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
وذكر ابن أبي حاتم: أنه
بناه من خمسة أجبل، وأن ذا القرنين، وكان ملك الأرض إذ ذاك، مر بهما وهما
يبنيانه، فقال: من أمركما بهذا؟ فقال إبراهيم: الله أمرنا به، فقال: وما
يدريني بما تقول؟ فشهدت خمسة اكبش أنه أمره بذلك، فآمن وصدق. وذكر الأزرقي:
أنه طاف مع الخليل بالبيت.
وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد
ذلك بنتها قريش، فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال، مما يلي الشام
على ما هي عليه اليوم.
وفي "الصحيحين" من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن
سالم: أن عبد الله بن مُحَمْد بن أبي بكر أخبر عن ابن عمر، عن عائشة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألم ترَ أن قومِك حين بنوا الكعبةَ
اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله ألا تردّها على قواعد
إبراهيم؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت، وفي رواية: لول





المصدر: منتديات علماء الآثار الجزائريين * 4athardz.ahladalil.com

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير
 
 
avatar


سجل : 18/08/2010
الجنس : ذكر
البلد : الجزائر
عدد المساهمات : 1305

مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام الجزء الثاني   الخميس 23 أغسطس 2012 - 20:59





اختيـــار موفق ومميز للموضــوع

شاكرين لك اهتمامك في طرح كل مميز في منتدانا

مما يســــاهم في تقدم المنتدى الى الأمــــام

لك منا كل التقدير . . . في انتظار جديدك





المصدر: منتديات علماء الآثار الجزائريين * 4athardz.ahladalil.com

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام الجزء الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات علماء الآثار الجزائريين  :: المنتديات الاسلامية :: منتدى السيرة النبوية وقصص الأنبياء :: قسم قصص الأنبيـاء-
انتقل الى: